فخر الدين الرازي

47

تفسير الرازي

ثم قال لهم : * ( ألست بربكم قالوا بلى ) * فقال للبيض هؤلاء في الجنة برحمتي وهم أصحاب اليمين ، وقال للسود هؤلاء في النار ولا أبالي وهم أصحاب الشمال وأصحاب المشأمة ثم أعادهم جميعاً في صلب آدم ، فأهل القبول محبوسون حتى يخرج أهل الميثاق كلهم من أصلاب الرجال ، وأرحام النساء . وقال تعالى فيمن نقض العهد الأول * ( وما وجدنا لأكثرهم من عهد ) * ( الأعراف : 102 ) وهذا القول قد ذهب إليه كثير من قدماء المفسرين كسعيد بن المسيب ، وسعيد بن جبير ، والضحاك ، وعكرة ، والكلبي ، وعن ابن عباس رضي الله عنهما : أنه أبصر آدم في ذريته قوماً لهم نور . فقال يا رب من هم ؟ فقال الأنبياء ، ورأي واحداً هو أشدهم نوراً فقال من هو ؟ قال داود ، قال فكم عمره قال سبعون سنة قال آدم : هو قليل قد وهبته من عمري أربعين سنة ، وكان عمر آدم ألف سنة ، فلما تم عمر آدم تسعمائة وستين سنة أتاه ملك الموت ليقبض روحه ، فقال بقي من أجلي أربعون سنة ، فقال : ألست قد وهبته من ابنك داود ؟ فقال ما كنت لأجعل لأحد من أجلي شيئاً ، فعند ذلك كتب لكل نفس أجلها . أما المعتزلة : فقد أطبقوا على أنه لا يجوز تفسير هذه الآية بهذا الوجه . واحتجوا على فساد هذا القول بوجوه . الحجة الأولى : لهم قالوا : قوله : * ( من بني آدم من ظهورهم ) * لا شك أن قوله : * ( من ظهورهم ) * يدل من قوله : * ( بني آدم ) * فيكون المعنى : وإذ أخذ ربك من ظهور بني آدم . وعلى هذا التقدير : فلم يذكر الله تعالى أنه أخذ من ظهر آدم شيئاً . الحجة الثانية : أنه لو كان المرا أنه تعالى أخرج من ظهر آدم شيئاً من الذرية لما قال : * ( من ظهورهم ) * بل كان يجب أن يقول : من ظهره ، لأن آدم ليس له إلا ظهر واحد ، وكذلك قوله : * ( ذريتهم ) * لو كان آدم لقال ذريته . الحجة الثالثة : أنه تعالى حكى عن أولئك الذرية أنهم قالوا : * ( إنما أشرك آباؤنا من قبل ) * وهذا الكلام يليق بأولاد آدم ، لأنه عليه السلام ما كان مشركاً . الحجة الرابعة : أن أخذ الميثاق لا يمكن إلا من العاقل ، فلو أخذ الله الميثاق من أولئك الذر لكانوا عقلاء ، ولو كانوا عقلاء وأعطوا ذلك الميثاق حال عقلهم لوجب أن يتذكروا في هذا الوقت أنهم أعطوا الميثاق قبل دخولهم في هذا العالم ؛ لأن الإنسان إذا وقعت له واقعة عظيمة مهيبة فإنه لا يجوز مع كونه عاقلاً أن ينساها نسياناً كلياً لا يتذكر منها شيئاً لا بالقليل ولا بالكثير ، وبهذا الدليل يبطل القول بالتناسخ . فإنا نقول لو كانت أرواحنا قد حصلت قبل هذه الأجساد في أجساد أخرى لوجب أن نتذكر الآن أنا كنا قبل هذا الجسد في جسد آخر ، وحيث لم نتذكر ذلك كان القول